وهبة الزحيلي

239

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ولأن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم التزم القصر في أسفاره كلها ، فقد روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا خرج مسافرا ، صلّى ركعتين حتى يرجع . و روي عن عمران بن حصين : حججت مع النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكان يصلّي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة ، وقال لأهل مكة : صلّوا أربعا فإنّا قوم سفر . وقال ابن عمر فيما رواه الشيخان : صحبت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في السفر ، فلم يزد على ركعتين ، وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان رضي اللّه عنهم في السفر ، فلم يزيدوا على ركعتين حتى قبضهم اللّه ، وقد قال اللّه تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب 33 / 21 ] ، وقال : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ الأعراف 7 / 158 ] ، ولو كان مراد اللّه التّخيير بين القصر والإتمام ، لبيّن ذلك كما بيّنه في الصوم . وأما ما ورد عن عثمان فقد اعتذر عنه بأنه قد تأهل ( أقام ) فقال : إنّما أتممت لأني تأهلت بهذا البلد ، وقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من تأهّل ببلد فهو من أهله » . وأجاب الزمخشري عن آية فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا بقوله : كأنهم ألفوا الإتمام ، فكانوا مظنّة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر ، فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه « 1 » . واختلف العلماء في المراد بالقصر هنا ، أهو القصر في عدد ركعات الصلاة أم هو القصر من هيئتها « 2 » ؟ فقال جماعة : إن القصر قصر عدد الركعات ، لما روى مسلم عن يعلى بن

--> ( 1 ) الكشاف : 1 / 420 وما بعدها . ( 2 ) أحكام القرآن للجصاص : 1 / 251 وما بعدها ، أحكام القرآن لابن العربي : 1 / 488 ، تفسير القرطبي : 5 / 360